الشيخ عبد الغني النابلسي

14

ديوان الحقائق ومجموع الرقائق

فكأنّ الذات الشريفة دوح * وكأني من فوقها أطيار « 1 » أتغنّى وتارة أتعنّى * ونظام طورا وطورا نثار « 2 » وغرام طورا بأحور أحوى * حسدت حسن وجه الأقمار وبهيفاء تارة ذات دلّ * شعرها اللّيل والجبين نهار « 3 » وبروض وجدول الماء طورا * وبكأس من المدام يدار « 4 » وبزهد وعفّة وخشوع * وعلوم بها العقول تحار وأنا العارف المحقّق طورا * أبذل النصح عندي استبصار وعلى الضدّ تارة ولذاتي * كل حين بوصفها أطوار ولنا ههنا مظاهر شتى * حصرتنا وما لهنّ انحصار وهي ذاتي أحب أني أراها * تتجلّى فترفع الأستار والمعاني جميعها لمحات * لبطون المنى بها أظهار وجميع الكلام في السّمع مني * والتسابيح ذاك والأذكار وسلامي إليّ مني تجلي * ه عليّ البكور والأسحار فديواني هذا جامع لمعاني جميع الدواوين ، ومنصوب في حضرة القدس لملوك المعارف الإلهية نصب الصواوين ، وقد أشرت في جميع أقسامه بكل لفظة من ألفاظ نثاره ونظامه إلى حضرة من الحضرات القدسية ، ونفحة من تلك النفحات الأزلية الأبدية . فيا أيها الناظر فيه بنظره ، من بصيرة قلبه وبصره ، لا تظنّ بأنّ هذا الكلام من جنس ما تعرفه من كلمات الأنام ، وإن تشارك معها في المعاني وفي المباني ، فإنّ سماع السبع المثاني « 5 » ليس كاستماع المثالث والمثاني ، وذلك على حسب ما عندي . وإنما الأعمال بالنيّات ، واللّه يعلم ما يعيد العبد وما يبدي ، لأنه العالم بالخفيّات ، ولا يعرف هذا المشرب الروحاني ، والمأكل الرباني ، إلا من خرج من البيت الإنساني ، ودخل في العرش الرحماني ، وضرب الواحد في الواحد من الثالث والثاني . ولا يدرك هذا الأمر إلا ابن ليلته ويومه ، قال اللّه تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [ إبراهيم : 4 ] ،

--> ( 1 ) الدّوح : الشجر العظيم الممتد الفروع ( ج ) أدواح . ( 2 ) تعنّى تعنيا : تعب تعبا شديدا . وتعنى الأمر : تكلّفه على مشقّة . ( 3 ) هيف الغلام : دقّ خصره وضمر بطنه فهو أهيف وهي هيفاء . الدّل : مصدر دلّ ، وحسن الحديث ، وحسن المزاج ، وحسن الهيئة والشمائل . يقال : امرأة ذات دل أي ذات دلال . ( 4 ) المدام : الخمر . ( 5 ) المثاني من القرآن : الآيات تتلى وتكرر : فاتحة الكتاب وهي السبع المثاني والقرآن العظيم كله .